كيف نجح المخطط الغربي في تدمير العلاقات العربية التركية الكردية ؟

بات واضحاً وخاصة بعد القرنيين الاخيرين تماماً أنه لا يمكن التوصل إلى حلول صائبة وديمقراطية لدى تناول العلاقات بين شعوب ومجتمعات المنطقة

 

أحمد شيخو

بات واضحاً وخاصة بعد القرنيين الاخيرين تماماً أنه لا يمكن التوصل إلى حلول صائبة وديمقراطية لدى تناول العلاقات بين شعوب ومجتمعات المنطقة وعلى رأسها العلاقات العربية-الكردية و التركية–الكردية وفق المنظور القوميّ والدولتيّ والسلطويّ، ما لم تؤخذ الترابط  والتفاعل و العرى الجيوسياسية والجيوستراتيجية لميزوبوتاميا وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربية ومصر والأناضول بعين الحسبان. 

هذا وثمة تبادل ثقافيّ كثيف وتكامل يحدّد المقاربات الجيوسياسية والجيوستراتيجية الوثيقة المتّبعة طيلة التاريخ بين الساحات الثلاثة اللواتي قطنها وتركّز فيها المجتمعات الكردية والعربية والتركية وغيرها، ولعل متطلبات الأمن القومي لهذه الشعوب والمناطق والدول فيها وكذلك المسارات التاريخية والجغرافية للأنبياء والرسل من زرادشت وإدريس ونوح وإبراهيم إلى موسى وعيسى ومحمد إنما تعكس وتبين الترابط والتفاعل المتبادل و الواضح بين شعوب المنطقة التي تسكن هذه الساحات المهمة في العالم.

مصير الحاضر والمستقبل

وعليه، من غير الممكن صياغة قراءة وتحليل صحيح لتلك العلاقات التي تخطّ مصير الحاضر واللحظة والمستقبل، إلا بمعالجة كلية متكاملة. فغالباً ما ربطت الشريحة الكردية الهرمية العليا (التي واجهت إشكاليات السلطة والدولة بالأكثر) مصيرها على مدار التاريخ وأقلها في القرنين الاخريين بمصير السلطات والدول الأقوى منها بناء على استقلال ذاتي نسبيّ. ولم تندفعْ كثيراً وراء نظام سلطة أو دولة منفصلة خاصة بالمجتمع الكرديّ. فهكذا مبادرة لم تتماش ومصالحها في هذه الوجهة، بسبب الظروف التاريخية والاجتماعية السائدة. وانطلاقاً من هذا المنظور تم معالجة التاريخ المشترك للكرد مع العرب والأتراك، والذي يمتدّ طيلة السنوات الألفيين الأخيرة تقريباً.

 وبخوضهم معركة حطين و ملازكرد طوعاً، والتي توّجوها بالنصر المؤزر جنباً إلى جنب مع الشعوب العربية والتركية وشعوب المنطقة، حقّقوا مشاطرتهم لسلطة ودولة جديدتين على دعامة إسلامية تسود بلاد الشام والجزيرة العربية ومصر و الأناضول وميزوبوتاميا وبالمركز منها كردستان. ذلك أنّ الحقائق الجيوسياسية والجيوستراتيجية النابعة من تلك المناطق، قد جعلت مشاطرة السلطة والدولة الإسلامية بين الشرائح الفوقية للقوميات الثلاثة ضرورة اضطرارية. ورغم عدم وجود مصلحة ملحوظة للشعوب في تشاطر السلطة والدولة، ورغم ردّهم على العيش تحت السقف المشترك للسلطة والدولة بالمقاومة مراراً وتكراراً؛ إلا إنهم لم يتخلفوا عن العيش معاً بموجب لوازم الحياة المشتركة من جهة، وبسبب الحروب الدينية والمذهبية المندلعة حينذاك من جهة ثانية. 

غزو كردستان

ولطالما تأسست هذه الشراكة بين الهرمية التركية القومية العليا والسلطات العربية الفوقية والشريحة الكردية العليا على الطواعية. بينما لا نلمس كثيرا ظاهرة اسمها “غزو كردستان” ضمن تقاليد الفتح العربي والتركيّ. أما حروب الغزو المخاضة بين الفينة والأخرى، فلم تحصلْ إلا بمشاركة من الأعيان الكرد. وعليه، لا يمكن توصيف هذا النمط من الحروب بالغزو.

ينبغي الفهم العميق لهذا الواقع التاريخيّ في علاقات شعوب المنطقة وخاصة العلاقات العربية-الكردية و العلاقات التركية-الكردية على صعيد حلّ القضية الكردية في راهنناً. فقد عمل أساسا بهذا الواقع، الذي لعب دورا معيّنا في نهاية كلّ منعطف أو نقطة تقاطع أساسية على طول تاريخ هذه العلاقات. أي أثناء سياسة انفتاح الإمبراطورية العثمانية على الشرق في عهد السلطان ياووز سليم (1512–1521)، وفي تشكيل الألوية الحميدية في عهد السلطان عبد الحميد (1876–1909)، وأثناء انخراط جمعية الاتحاد والترقي العثمانية في الحرب العالمية الأولى وما بعدها كأمر واقع لا مناصّ منه؛ والأهمّ من كلّ ذلك خلال حرب التحرير الوطنية المعاصرة بقيادة مصطفى كمال، وكما أثناء التحالف التاريخي العربي الكردي الاستراتيجي أيام العباسيين وأبو مسلم الخرساني الكردي  وكما أيام الناصر صلاح الدين الأيوبي وتحرير بيت المقدس و كذلك تعاون إبراهيم باشا ومحمد علي باشا ولاة مصر الكرد مع الإمارات الكردية مع إمارة بدرخان وإمارة رواندوز أثناء سحقهم للجيش العثماني ووصولهم لقرب اسطنبول، وكما في التعاون  والنضال المشترك أثناء ثورات تحرير المنطقة من الاستعمار الفرنسي والإنكليزي ومقاومتهم كما في سوريا والعراق ولبنان والأردن وفلسطين وغيرها.

يوسف العظمة

 ولعل الواقعة البطولية لوزير الحربية في سوريا يوسف العظمة الكردي الذي استشهد وهو يدافع عن دمشق في معركة ميسلون 24 تموز عام 1920 في وجه الاحتلال الفرنسي خير وأوضح دليل، بالإضافة إلى إسهام الكرد  كأفراد ومجتمعات في بناء الدول العربية الحالية لبقائهم فيها وإسهامهم في بناء معالمها وصروحها، حيث كانت المنطقة سابقاً حرة التجوال والسكن بين البلدان المسلمة بمختلف أقطارها من ميزوبوتاميا والأناضول إلى الحجاز ومصر والمغرب وغيرها . 

ولأول مرة عمل على وقف هذا التمثيل المشترك والطوعيّ والتاريخيّ والجغرافيّ في سيادة السلطة والدولة؛ بعد تقسيم المنطقة من قبل التدخلات الخارجية وعلى رأسها البريطاني والفرنسي مع التوافق الروسي وضخ الفكر القوموي والإسلاموي وبناء الدولة القومية الأداة والآلة المستخدمة في تقسيم جغرافية وشعوب المنطقة والشرق الأوسط و البعيدة كل البعد عن القيم المجتمعية والأخلاقية والثقافية المشتركة للمنطقة وشعوبها، وعندها حكمت سلطات لا تعبر حتى عن إرادة الشعب العربي التي تكلمت واحتكرت اسمها لأغراض السلطة وخدمة الغريب البعيد والقوى المهيمنة العالمية دون مصالح الشعب العربي وتحالفاته وعيشه المشترك مع الكرد وشعوب المنطقة.

القومية العربية والكرد 

 إنّ تصيير سلطات الدويلات القومية العربية مناوئة للكرد قد أخلّ بالعلاقات التاريخية والشراكة الاستراتيجية وبالتحالف التقليديّ بين الشعبين، فأقصي الكرد كليا من النظام القائم في هذه الدويلات وتم منع خصوصياتهم وثقافتهم ولغتهم وإدارتهم الذاتية كحقوق طبيعية وعادلة لهم. أما المشروع المقدّم إلى الشريحة الكردية الفوقية، فأستند إلى المبدأ الأساسيّ الذي يتجسد في إمكانية صونها لوجودها ومصالحها الخاصة كأفراد–مواطنين للدويلات القومية العربية وليس كون لهم مجتمعات لها حقوقها أيضاً، مقابل التخلي عن كردايتيتها وهوية مجتمعها الكردي والانصهار في بوتقتهم وقبول التعريب لمناطقهم وثقافتهم وخصوصا في سوريا والعراق وغيرها.

مؤامرة 15 شباط

وفي تركيا كان ذلك عبر مؤامرة 15 شباط 1925 التي تشير إلى رفض العماد الديمقراطيّ للجمهورية والدولة المنشأة كدولة للشعبين الكردي والتركي وشعوب ميزوبوتاميا والأناضول. وحسابات الإمبراطورية الإنكليزية –القوة الرأسمالية المهيمنة آنذاك– في فرض التمييز الإثنيّ على الجمهورية، كي تتمكن بالتالي من بسط نفوذها على الموصل وكركوك ( باشور كردستان/إقليم كردستان العراق) التي تعدّ منطقة نفطية؛ قد لعبت دوراً محدّداً ومصيرياً في حبك خيوط هذه المؤامرة.

 وهكذا، حقق مشروع إنكلترا في بناء جمهوريات صغرى أو دويلات قومية صغيرة نجاحاً ملفتاً في الشرق الأوسط وبلاد الشام والحجاز شمال أفريقيا وبلاد الأناضول وميزوبوتاميا مع تقسيم كردستان بينها، مثلما كانت الحال في أغلب أصقاع العالم. وبالمقابل، فإنّ جميع القوى الثقافية والشعوب، بل وحتى الدول القائمة في منطقة الشرق الأوسط المقسّمة اجتماعياً وعلى صعيد الدول، قد منيت بخسائر فادحة في قواها، وتعرضت للانقسام المتواصل، واشتبكت فيما بينها باستمرار، لتغدو واهنة خائرة القوى. وقد أحرزت الهيمنة الإنكليزية نجاحها تأسيساً على ذلك.

وعندما أصبحت ما تسمى الجمهورية التركية مناوئة للكرد أخلّ ذلك بالتحالف التقليديّ بين الكرد والترك، فأقصي الكرد كلياً من النظام القائم. وكان المشروع المقدّم إلى الشريحة الكردية الفوقية هنا، فيستند إلى المبدأ الأساسيّ الذي يتجسد في إمكانية صونها لوجودها كأفراد–مواطنين أتراك، مقابل التخلي عن كردايتيتها وعن هويتها الكردية الأصيلة. بل ويتعدى ذلك بالغا حدّ تلقينها أنّ السبيل إلى اكتساب القوة والارتقاء في أروقة النظام يمرّ من إعلاء شأن التركياتية البيضاء وتطويرها، مقابل إنكار الكردايتية وإبادتها.

القانون الفولاذيّ

 وهكذا يصاغ “القانون الفولاذيّ” لكينونة الوجود ضمن الجمهورية. في حين إنّ الموقف الذي أبدته الشريحة العليا بادئ ذي بدء من خلال اعتراضها وتمردها الجزئيّ، قد تحوّل إلى طاعة أفرزتها تمشيطات “التأديب والتنكيل” الصارمة التي سيّرها النظام.

 ولربما كانت هذه المرة الأولى في تاريخ المجتمع الكرديّ، التي تضمن فيها الشريحة العليا (الاستثناء لا ينفي القاعدة) وجودها مقابل تعريض وجود مجتمعها الذاتيّ الذي تنتمي إليه للإنكار والإبادة والاجتثاث من الجذور. وهكذا باتت تدين بوجودها وتطورها إلى مدى خدمة التركياتية البيضاء وهذا المصطلح، مختلف عن التركياتية التقليدية. فهي زمرة عميلة معدّة موضوعيا وذاتياً، ومصقولة بأساليب الهيمنة الغربية في التآمر. إنها شكل متطرف من أشكال فرنسيي المشرق، مشحون بالعنف إلى أقصى الحدود، ومتظاهر بالقوموية التركية الجازمة. أي إنّ تلك الشريحة ستحمي وجودها وتطوّره بحسب ما تقوم بخدمة هذه التركياتية البيضاء.

أما الشرائح الشعبية الأخرى، التي أمست بلا رأس أو قائد، فهي بمنزلة المادة الشيء، ومنفتحة على كلّ أشكال الإنكار والإبادة والإذابة. في حين إنّ أبسط تماس مع الكردايتية يعني الموت المحتوم. بالمقابل، فالتخلي عن الكردايتية بات السبيل الوحيد للنجاة والحياة.

التطهير العرقي والثقافي

 وهكذا، تدور المساعي للقضاء على الكردايتية، ليس من جهة كونها ظاهرة فحسب، بل وبكلّ ما تشتمل عليه من رموز ومسمّيات. ويدخل مشروع التطهير الثقافيّ الخفيّ المسلّط على الكردايتية طيلة تاريخ الجمهورية جدول الأعمال، ويرى النور خطوة وراء خطوة ويوما بعد يوم يسري هذا المشروع على كافة الثقافات الأخرى أيضا. ولكنه صمّم أساساً من أجل الكردايتية. وأمست الغاية الأولية التي تصبّ فيها جميع السياسات الداخلية والخارجية، هي الامتثال لذاك “القانون الفولاذيّ”، والسهر على خدمته. ونظراً لتطبيقه خفية بنسبة كبرى، فإنّ الأحزاب ومنظمات المجتمع المدنيّ المشادة والعالم الاقتصاديّ والسياسيّ المعاش يصبح متمحوراً حول “القانون الفولاذيّ” ذاته، دون إدراك منها، ودون التفات إلى تلك السياسات.

 كما تقيّم التنظيمات الخارجية أيضا بناء على خدمة “القانون الفولاذيّ” نفسه؛ من قبيل: هيئة الأمم المتحدة، حلف الناتو، والاتحاد الأوروبيّ وروسيا والصين. كما إنّ حصة هذا القانون معيّنة في الانقلابات والمؤامرات والاغتيالات، وفي شتى أنواع التعذيب والاعتقال.

إبادة عابرة للحدود

ولم تكتفي السلطات في الدولة والجمهورية التركية بممارسات الإبادة والإنكار في داخل تركيا وحدها ضد الكرد بل وفي عهد أردوغان وسلطته المشكلة حزب الحركة القومية التركية الفاشية تجاوز ذلك إلى محاربة الكرد أينما كان كما في سوريا والعراق واستعماله السلاح الكيميائي ضد أبناء وبنات الشعب الكردي  من الكريلا في قوات الدفاع الشعبي الكردستاني  HPGووحدات المرأة الحرة الكردستانية YJA-STAR المدافعين عن وجود وحرية وكرامة الشعب الكردي وشعوب المنطقة ضد الفاشية التركية وحتى أن الدولة التركية استعملت كل إمكانياتها حتى ينظر شعوب المنطقة ودولها والعالم للقضية الوطنية الكردية وللنضال الكردي من أجل الحرية والديمقراطية والحقوق بالنظرة والعدسة التركية المشوهة والمضللة.

ما الحل

 وعليه لكي تعود العلاقات العربية والكردية وكذلك التركية والكردية وغيرها إلى التحالف التقليدي الديمقراطي والشراكة الاستراتيجية و ربما في مراحل متقدمة إلى كونفدرالية ديمقراطية للأمم الديمقراطية في المنطقة والشرق الأوسط، لابد من التخلص من عدسة ونظرة الدولة التركية والتخلص من ذهنيات وسلوكيات الإبادة والإنكار و تجاوز المقاربة والسلوك والبعد القوموي والسلطوي والدولتي الوظيفي للهيمنة العالمية ونهبها للمنطقة وخيراتها ومرور دول المنطقة وخاصة وأولاً تلك التي تمتاز بالتعدد الاثني والقومي والديني والمذهبي بالتحول الديمقراطي وولوج درب الديمقراطية والتخلص من التزمت والصرامة المطلقة وتفضيل المرونة والحوار والتفاوض السلمي على الحلول العسكرية والأمنية وإعطاء مساحة أكبر للمجتمعات والشعوب المختلفة مقابل الدولة والسلطة والمركزية الشديدة وإعطاء كذلك حقوقها في التعبير والتنظيم والحماية الذاتية وإدارة مناطقها ضمن الحدود الحالية وفق كيانات سياسية واقتصادية واجتماعية شرعية تستند لأبعاد جغرافية واجتماعية في دساتير ديمقراطية حتى نستطيع إعادة بناء تكامل المنطقة ووحدتها الكلية ومجتمعيتها المقاومة وثقافتها الواحدة على أسس حقيقية متينة ومصالح مشتركة لكافة شعوبها ومجتمعاتها.

كما أن بناء علاقات بين شعوب المنطقة وفق قيم مجتمعية وثقافية واقتصادية مجتمعية وبفلسفة ديمقراطية ودبلوماسية اجتماعية موفقة، ودخول هذه العلاقات المنى والمسار الاستراتيجي بين مجتمعات وشعوب ودول المنطقة أي بناء العلاقات الديمقراطية سيسهم في  تعزيز الأمن والسلم والاستقرار في المنطقة وكذلك في مواجهة الأحادية المطلقة والنمطية والتطرف والإرهاب، وعندها لن تكون المجتمعات معرضة للتسلل والتغلل فيها من قبل الأعداء سواء من الداخل أو الخارج ولن تكون الدول في المنطقة مجبرة على الرضوخ وتقبل التدخلات والأجندات الخارجية حيث بالحلول الديمقراطية للقضايا الوطنية وعلى رأسها القضية الكردية والقضايا الاقتصادية والديمقراطية وغيرها، ستكون هذه الدول والبلدان محمية ومصانة من شعوبها وأبنائها ومن كل المنطقة ولأنها لن تكون بحاجة إلى خوض حروب مستمرة ضد داخلها ومحيطها خدمة للأخريين منطلقة من ذهنيتها المطلقة القوموية والإسلاموية للحفاظ على وجودها في السلطة وشرعيتها الدولية الممنوحة لها بقدر تبعيتها للنظام العالمي وتنفيذ أجندته.

إقرا أيضا

 

سوريا ليست أفغانستان.. قيادي بالحزب الديمقراطي الأمريكي لـ الشمس نيوز: الأكراد أهم حلفاء واشنطن بالشرق الأوسط ولا مجال للتخلي عنهم

بعد اعتقالهم.. هل يتم إعدام المشاركين بمؤتمر أربيل بتهمة التطبيع؟

 

.. هل يطلق بوتين رصاصة الرحمة على الوجود التركي بـ سوريا؟

التدخلات التركية في الشؤون الداخلية للعديد من الدول العربية والأفريقية بعد انطلاق ربيع الشعوب منذ 2011م، عبر دعمها للجماعات الإسلاموية الراديكالية وبشكل خاص ذو الخلفية الإخوانية، التي تشكل تهديداً خطيراً على أمن وسلم تلك الدول وشعوبها وحتى المجتمع الدولي عبر دعمها اللا محدود للإرهابين وغزو دول أخرى عبر مرتزقتها.

ليلي موسى

التدخلات التركية في الشؤون الداخلية للعديد من الدول العربية والأفريقية بعد انطلاق ربيع الشعوب منذ 2011م، عبر دعمها للجماعات الإسلاموية الراديكالية وبشكل خاص ذو الخلفية الإخوانية، التي تشكل تهديداً خطيراً على أمن وسلم تلك الدول وشعوبها وحتى المجتمع الدولي عبر دعمها اللا محدود للإرهابين وغزو دول أخرى عبر مرتزقتها.

هذا التدخل الذي بات يرهق المجتمع الدولي ويقف عائقاً أمام إنهاء الأزمات والمشاكل التي تعاني منها غالبية الدول التي شهدت التدخل التركي، بالرغم من تنبه البعض إلى خطورة هذا التدخل مبكراً كما حصل في مصر عبر إزاحة الإخوان عن السلطة وتحجيمهم، ليلحق بها بقية الدول عبر لجم وإبعاد الأحزاب الحليفة لأردوغان، والشخصيات المؤيدة والتابعة له، أمثال عمر البشير ومؤخراً إحباط انقلاب أنصار البشير على الحكومة السودانية، وتحجيم دور حماس في أحداث غزة الأخيرة، بالإضافة إلى تجميد الرئيس التونسي قيس السعيد لعمل البرلمان وتعليق حصانة كل النواب وإقالة رئيس الوزراء هشام المشيشي، وخسارة حزب العدالة والتنمية المغربي في الانتخابات الأخيرة، وحجب البرلمان الليبي الثقة من الدبيبة، حيث بات أردوغان يفقد أوراقه واحدة تلو الأخرى، ويعيش مأزقاً حقيقاً وهو مقبل على انتخابات رئاسية جديدة.

استراتيجية أردوغان

ويبدو أن الاستراتيجية اللعب على المتناقضات التي لعبها أردوغان واستطاع عبرها تمرير العديد من أهدافه وأجنداته المرحلية، لم تعد تجدي نفعاً وبدأت ثمارها تجني على نقيض ما كان يأمله، وحتى انتصاراته المتسارعة التي حققها بداية الحراك الثوري التي شهدتها المنطقة، بات يفقدها عبر نجاح المجتمع الدولي والإقليمي على تجحيم ولجم مؤيديه وأتباعه عن السلطة وبشكل خاص جماعة الإخوان المسلمين.

وحتى يتمكن من كسر عزلته الدولية وبشكل خاص الإقليمية منها نتيجة تدخلاته السافرة في الشؤون الداخلية للعديد من الدول، حاول ذلك عبر تغيير  تكتيكات استراتيجيته الاحتلالية التوسعية الاستعلائية إلى إبداء المرونة عبر الحوار والدبلوماسية للمراوغة وكسب بعض الوقت لإعادة ترتيب أوراقه من خلال إعادة تطبيع العلاقات مع العديد من الدول وفي مقدمتها مصر والسعودية والإمارات، وبالرغم من حصول جولتين استكشافيتين كما اسمتها مصر –لاستكشاف أمكانيات الحل وفق الشرعية الدولية-، والحوارات التي حدثت إلا أنها لم تُحدث تقدماً ملحوظاً في هذا المضمار بسبب انتفاء الثقة بين الأطراف المتصارعة وبشكل خاص بوعود أردوغان.

وفي خضم المستجدات المتسارعة التي تشهدها المنطقة ونية ورغبة المجتمع الدولي على تحجيم الحركات الإسلاموية الراديكالية المتطرفة، كانت الورقة الأقوى بيد أردوغان وحكومته هي المعارضة السورية –الائتلاف- ذات الخلفية الإخوانية التي كان يهدد بها المجتمع الدولي، هذه الورقة أيضا بات يفقدها.  

سيطرة طالبان

ربما استلام طالبان الحكم في أفغانستان دفع بالعديد من الدول لتنتبه إلى خطورة الإرهابين الموجودين في المناطق الخاضعة للسيطرة التركية أو تلك التي تخضع لاحتلالها بشكل مباشر، وربما يندرج تصريح جو بايدن في هذا المضمار بأن الخطر يأتي من سوريا والصومال واليمن وليس من أفغانستان، بعد تطبيع العلاقات مع طالبان وتقديم الأخيرة تعهدات بعدم التعرض لأمريكا أو السماح للجماعات الإرهابية باستخدام أراضيها أو تهديد المجتمع الدولي.

هذه الخطوة ربما أيضا دفعت بعض الدول إلى إعادة النظر بالمقترح الروسي بإعادة سوريا إلى محيطها العربي والإقليمي قبل الانتخابات الرئاسية السورية لنيل الأسد الشرعية والتي جوبه حينها بالرفض ومازال وخاصة من ناحية عودتها للجامعة العربية لعدم وجود توافق عربي لذلك، ولكن ربما نشاهد تطورات من ناحية بعض الدول في هذا المنحى وبشكل خاص من ناحية مناهضة الإرهاب، وخاصة تلك التي تعاني من تجربة مريرة من الإخوان المسلمين وعلى هذا الأساس يمكننا القول بأن الاجتماع الذي جمع وزيري خارجية مصر السيد سامح شكري مع نظيره السوري فيصل مقداد في نيويورك بشكل علني على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، تندرج ضمن هذا الإطار.

تفاهم روسي أمريكي

كما يمكننا القول بأن بداية الانفراج للأزمة السورية والتي يلزمها توافق دولي بدأت بوادرها وبشكل خاص عبر التفاهم الروسي – الأمريكي عبر آلية ايصال المساعدات الإنسانية وتفويض معبر باب الهوى، هذا التقارب والتفاهم أسهم بعض الشيء إلى تضييق الهوة بين الدولتين العظمتين المتدخلتين في الأزمة السورية، وبالتالي تقليل فرص أردوغان باستخدام استراتيجياته عبر اللعب على التناقضات.

وهذا ما شاهدناه عندما امتنع جو بايدن الالتقاء بأردوغان، مما دفع أردوغان يصرح بأن صفقة أس 400 ماضية ولا رجعة فيها، بالإضافة إلى توجيه اتهامات عديدة لأمريكية عبر إثارة ملفات خلافية مع الولايات المتحدة الأمريكية. وبالتزامن مع التصريحات الأمريكية أطلقت روسيا جملة من التصريحات النارية والتهديدات الموجهة لتركيا ورئاستها من قبيل إيقاف تفويض إدخال المساعدات عبر معبر باب الهوى، متهمةً تركيا بعدم التزامها بالتعهدات، وتأكيد سيرغي لافروف على التهديدات التي يشكلها الإرهابيين في شمال غربي سوريا، وأن الوجود التركي مؤقتاً في سوريا، وغيرها من التصريحات التي أغضبت تركيا ودفعتها إلى إعادة الحديث عن شبه جزيرة القرم واعتبارها خطاً احمراً وأن الانتخابات الروسية فيها غير شرعية، وهو ما دفعت روسيا بالرد بأن لهذا التصريح سيكون تداعيات، بالإضافة إلى إثارة ملفات أخرى خلافية مع الروس.

ضغوط روسية

ربما المساعي الروسية هذه تأتي في سياق ممارسة الضغط على تركيا للعمل على تهميش الإرهابين وإبعادهم عن المعارضة المعتدلة وفق الرؤية الروسية عبر تشديد قصفها على مناطق المعارضة المدعومة تركياً. حيث أن بعض المناطق التي شهدت قصفاً هي الأول من نوعها منذ تسليم عفرين بعملية مقايضة للأتراك مقابل الغوطة، وقصفت قوات النظام السوري المتمركزة في ريف تل تمر المرتزقة السوريين المدعومين من تركيا المتمركزين في قرية الدردارة، وهي الأولى من نوعها منذ الاتفاق الروسي – التركي عقب الغزو التركي على سري كانيه (رأس العين) وكري سبي (تل أبيض). واستقبال وزارة الخارجية لوفد من مجلس سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وتأكيدها بالعمل على مشاركة الإدارة والمجلس في العملية السياسية الخاصة بالأزمة السورية التي لطالما تم اقصاءهما بالفيتو التركي، والعمل على إلزام تركيا بالاتفاقية ومنعها من قصف المناطق، ولعب دور الضامن للحوار بين الإدارة والحكومة المركزية، كما سبق ذلك استقبال بوتين للأسد، كل ذلك يمكن اعتبارها رسائل واستفزازات للجانب التركي وممارسة الضغوط عليه قبل اللقاء المزمع عقده بين بوتين وأردوغان، لتقديم الأخير تنازلات والانسحاب إلى ما بعد طريق M4  الواصل بين اللاذقية وحلب وتسليمه للحكومة السورية.

تركيا والميليشيات

وهذا ما لم يرضِ أو يرضخ له الأتراك بسهولة كونهم باتوا يعلمون جيداً أنهم بخسارتهم للجماعات الإرهابية الإخوانية في سوريا تكون حينها قد فتحت على نفسها معركتين؛ الأولى مواجهة مع الإرهابين الذين باعتهم، والثانية مواجهة مع المعارضة التركية الداخلية جرّاء فشل سياسات أردوغان الخارجية وما جلبته من أوضاع اقتصادية متردية على الوضع الداخلي. والأهم من كل ذلك السقوط المدوي لمشاريعه الاحتلالية والمتمثلة بالميثاق الملي عبر الجماعة الإخوانية. وإن عدم تخلي أردوغان عن الإخوان حتى اليوم سبب في عدم إحراز إي تقدم ملموس بإعادة تطبيع علاقاته مع محيطه الإقليمي والدولي.

السؤال الذي يطرح نفسه هل بوتين سينهي حظوظ التواجد التركي في سوريا، استكمالاً للجهود المبذولة من قبل العديد من الدول الإقليمية، وبشكل خاص العربية منها وبمباركة دولية، بالعمل على تحجيم واستبعاد جماعات الإسلام السياسي عن السلطة، وربما يندرج القصف الروسي المكثف مؤخراً على فصائل الجماعات الإسلاموية الراديكالية في سوريا مترافق مع الصمت الأمريكي في هذا المضمار، وما هو مصير جماعات الإسلام السياسي السوري التي وضعت جميع بيضها في السلة التركية؟ وهل ستتخلى هذه الجماعات عن مشروعها السياسي الإسلاموي بعد فقدان قاعدتها الشعبية وقلة فرص اعتلائها السلطة؟

إقرا أيضا

ياسين بولوت ليس أولهم ولن يكون الأخير.. كيف أصبح إقليم كردستان ملعب مفتوح للمخابرات التركية لتصفية المعارضين ؟

روعة العباسي

جاء حادث اغتيال عضو مجلس عوائل شهداء حزب العمال الكردستاني ياسين بولوت وشهرته شكري سرحد، الذى وقع اليوم بمدينة السليمانية العاصمة الثانية لإقليم كردستان كحلقة جديدة في سياسة الاغتيالات والتصفية السياسية التي تنتهجها الحكومة التركية تجاه الشخصيات القيادية والسياسيين والنشطاء العاملين في حركة التحرر الكردستانية.

 واستغلت تركيا إقليم كردستان كساحة لتصفية النشطاء الكرد ومعارضيها من كوادر حزب العمال الكردستاني سواء عبر توسيع العمليات العسكرية بالإقليم، أو عن طريق بناء خلايا تابعة للاستخبارات التركية داخل الإقليم.

قائمة الاغتيالات

حادث اغتيال ياسين بولوت أو شكري سرحد ليس الأول من نوعه الذى تنفذه أنقرة بحق كادر بالعمال الكردستاني داخل أراضي إقليم كردستان بل سبق للمخابرات التركية تنفيذ سلسلة اغتيالات بحق العديد من القادة والكوادر الكرد.

في 12 فبراير 2006  تم اغتيال الممثل السابق لحزب العمال الكردستاني في أوروبا، كاني يلماز، بانفجار قنبلة وضعت في سيارته أثناء وجوده في إقليم كردستان.

وفى 17نوفمبر2020 تم اغتيال عرفان آقجان، الملقب بـ “آزاد هاشات” مسؤول جمارك سنجار في حزب العمال الكردستاني، خلال عملية نفذتها شمال العراق.

وفى  6 يونيو 2021 اغتالت تركيا القيادي بحزب العمال الكردستاني سلمان بوزكير والذي كان يشغل منصب مدير مخيم مخمور في العراق.

وفى 22 يونيو 2021 اغتالت الاستخبارات التركية أولاش دوغان أحد كوادر حزب العمال الكردستاني، في مدينة السليمانية شمال العراق 

قائمة الجرائم التركية بمحاولات الاغتيال والتصفية الجسدية بحق كوادر وقيادات العمال الكردستاني طويلة ولا يتسع المجال لحصرها سواء في العراق أو سوريا أو تركيا.

الاستخبارات التركية فى كردستان

استطاعت الاستخبارات التركية التوغل والانتشار في عدد من المناطق بإقليم كردستان العراق، وخاصة بين المكون التركماني في هولير وكركوك عن طريق وكالة التعاون والتنسيق”التركية   التركية المعروفة اختصارا بـ  TİKA ، والتي تنتشر أيضا فى تلعفر وخانقين وأماكن أخرى.

وكان موقع Lêkolînê الأبحاث قد كشف في تقرير خاص له، عن تفاصيل اجتماع عقده مسؤولو المخابرات التركية مع رئيس منظمة TİKA في قرية قوشتبه القريبة من مدينة هولير.

وأشار الموقع إلى أن المنظمة تتولي تدريب الاشخاص في مخيم قوشتبه على أساليب التحقيق والتجسس والمراقبة والاختطاف وزرع الألغام من قبل أعضاء الاستخبارات التركية، بهدف اختطاف أعضاء حركة حرية كردستان والمتعاطفين معها”.

وكشف الموقع أن إقليم كردستان يتواجد به حوالي 15 مدرسة تابعة لمنظمة TIKA، منها مدرسة “ايشك İşik” وقسم اللغة والأدب التركي في جامعة صلاح الدين، بالإضافة إلى بعض المدارس الابتدائية، لافتا إلى أن أعضاء المنظمة يحاولون التقرب من الأطفال الذين تعد عوائلهم من المتعاطفين مع حركة حرية كردستان من خلال إعطائهم امتيازات بهدف جمع قدر ممكن من المعلومات.

أما الدور الخطير الذى تلعبه المنظمة بحسب الموقع فيتم بمدن جنوب كردستان، حيث يتم التلاعب بثقافة المجتمع الكردستاني والتربية والتعليم وحتى البناء، وتدريب الشبان وإغرائهم بالأموال بهدف تحويلهم إلى عملاء وجواسيس لصالحها في جنوب كردستان.

ويبقى السؤال هل من الصحيح التغافل عن تواجد الاستخبارات التركية على الأراضي الكردية بهذا الشكل؟

ذات صلة 

التفاصيل الكاملة لـ اغتيال أحد قيادات العمال الكردستاني أثناء علاجه بالسليمانية..صور

Exit mobile version